المؤتمر ثالث عشر (2017)
المؤتمر تاسع عشر (2016)
المؤتمرات المعلومات
ارسال المقالة

  ظهور الموعود من منظور الأديان عقيدة المهدي /المنجي / المخلص دراسة مقارنة

حفناوي بعلي

الملخص
يتمثل جوهر الحركات المهدية سواء في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية؛ في انتظار / المهدي / الملخص / المنجي، وفي انتظار تحول شامل وجذري للعالم؛ من وضع قائم يتسم بالظلم والفساد إلى وضع مرتقب تسوده العدالة والسكينة. ويختلف المجتمع "المهدي" عن المدينة الفاضلة، التي تصورها الفلاسفة (جمهورية أفلاطون، أو مدينة الفارابي)، لأن الفلاسفة يؤمنون بسيادة العقل، إذ تتكون مدينتهم من أشخاص مثاليين تغلب العقل على تصوراتهم. تتسم الإيديولوجيا / الفلسفة المهدية بسمات عامة، نجدها في الحركات المهدية في الشرق الإسلامي وكذا في الغرب الإسلامي. كما نجد فكرة "المهدي المنتظر" لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط من أهل الديانات السماوية، التي تؤمن بالديانة اليهودية أو الديانة المسيحية أو الإسلام.
في العديد من الأديان الإلهية والبشرية والمدارس الفكرية أنماط متنوعة من الإيمان بالمنقذ، وبالألفية، وبالموعود، وبالمدينة الفاضلة، وبالمصلح العالمي. وحتى في العالم المعاصر فإن هذه المعتقدات لا تزال تطرح بقوة. وقد كان العالم الغربي في إطار معتقداته المسيحية يؤمن بظهور ثان للسيد المسيح، ويروج هذه العقيدة بحماس في مواعظه وتوصياته. لذلك فإن طرح فكرة المهدوية في مناخ القرن الحادي والعشرين ليس مستبعدا أبدا، بل إن الكثيرين بانتظار مثل هذه الفكرة والمثل العليا. وواضح أنه في عصر نهاية الإيديولوجيات وسقوط الماركسية في بداية التسعينات، والأزمات المتتابعة التي منيت بها الليبرالية الديمقراطية، اكتسبت فكرة المهدوية درجة أعلى من قابلية الطرح العالمي واستقطاب المخاطبين من مختلف أرجاء المعمورة.
إن مسألة المهدي الموعود وانتظار الفرج، وتشكيل الحكومة العالمية لا يختص بالدين الإسلامي أو بالمذهب الشيعي، وعقيدة أتباع أهل البيت الطاهرين وعن المؤمنين أجمعين. بل إن هذه الإشكالية قد وردت في الأديان الأخرى، وفي كتب أرباب الديانات الإلهية بهذه العناوين: مبشر، منذر، منقذ، مخلص، مصلح العالم، مؤسسة الحكومة العالمية. تنتظر الأمم الثلاث: المسلمون، واليهود، والنصارى، رجلا يظهر في آخر الزمان، يسمى "المسيح"، وتتفق ثلاثة الأديان على أنه سيقود المعركة الكبرى والأخيرة، التي ينتصر فيها دينها، ويدمر عدوها، فما سر ذلك؟ وما أسباب الالتباس ؟ إذن ماذا تمثله العقيدة / عقيدة المهدي المنتظر الموعود / المرتجى / المخلص في منظور الأديان: الإسلام، المسيحية، اليهودية؟ … إنها إشكالية تستحق الدراسة والبحث والتأمل.
ظهور الموعود المهدي.. من منظور الإسلام: السنة والشيعة
إن مسألة المهدي الموعود والمخلص وظهوره في آخر الزمان، تعتبر مورد قبول جميع فرق أهل السنة وفرق الشيعة. فقد وردت على لسان النبي الأكرم(ص)، وقد تحدث عنها الكبار من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين جيلا بعد جيل إلى زماننا هذا. وتمثل هذه الإشكالية إحدى أكبر البشارات الإسلامية المهمة للبشرية، ومن هذا المنطلق كانت مسألة المهدي الموعود حتمية ويقينية. وفي التاريخ الإسلامي، انتشرت فكرة المهدي المتنتظر / المنجي لدى فرق الشيعة والسنة على السواء، إلا أنها اتخذت صيغة إلزامية لدى الشيعة. فالإمام المهدي في المنظور الشيعي، اختفى لكنه سيعود إلى الأرض ليقيم فيها الحق، وينشر الدين الحنيف. وينحدر من أهل البيت (ذرية علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء)؛ في حين يعتقد فيه أهل السنة بإمكانية انحداره من قريش عامة. وفي نظر الشيعة الجعفرية، فإن المهدي الموعود هو ابن الإمام الحادي عشر من أئمة الشيعة، أي (الإمام الحسن العسكري). فقد ولد الإمام المهدي كما هو مشهور في عام 256 هـ.
ويذكر الشيعة الأدلة التالية لإثبات ولادة الإمام المهدي: تصريح الإمام الحسن العسكري بولادة ولده المهدي. وكذا شهادة قابلة الإمام وكذلك "حكيمة بنت الإمام الجواد" عمة الإمام الحسن العسكري. وشهادة أصحاب الأئمة وآخرين؛ ممن كانوا يعيشون في زمان الإمام العسكري ولقائهم للمهدي. وشهادة وكلاء الإمام المهدي، والمطلعين على معجزاته بملاقاتهم للإمام في عصر الغيبة الصغرى. وطريقة مواجهة السلطات العباسية للإمام العاشر والحادي عشر، وحتى أن بيت الإمام الحادي عشر كان يخضع للمراقبة المباشرة وبشهادة النواب الخاصين على ولادة الإمام المهدي. كل ذلك يدل على ولادة الإمام صاحب الزمان، حيث شغلت أذهان السلطات سياسيا وعسكريا بما يقارب مائة سنة. واعتراف العرافين بولادة الإمام المهدي، وكذا اعتراف أهل السنة بولادة الإمام المهدي.
إن الإمام المهدي الموعود الذي يذكر في مصادر الإمامية بلقب إمام العصر وصاحب الزمان: هو ابن الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت؛ حيث يطابق اسمه اسم النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام. فقد ولد في سامراء سنة 256 هجرية، وبقي إلى سنة 260 للهجرة، أي إلى حين وفاة والده، فبقي تحت كفالة وتربية والده في هذه المدة مخفيا عن أنظار الناس، ولم يعلم به سوى بعض الخواص من الشيعة، الذين تشرفوا بلقائه. وبعد شهادة الإمام العسكري استقرت الإمامة في الإمام المهدي، وقد اختار الغيبة عن الناس بأمر الله تعالى، واستمرت غيبته الصغرى حتى وفاة آخر النواب الخاصين في سنة 329 للهجرة، وبعد ذلك بدأت الغيبة الكبرى.
لفكرة المهدوية في التعاليم الإسلامية مستويات مختلفة، آخر مستوياتها وهو مستواها العقلاني، يعد قضية كلامية؛ هي الإيمان بظهور الإمام الثاني عشر بقية الله الأعظم. لكن المهدوية بمستواها العام عبارة عن خلق الوجود وهدايته من قبل الله تعالى، الذي أمر لأجل هداية البشرية الأنبياء (المستوى المتوسط لفكرة المهدوية والهداية)، والأوصياء (المستوى العقلاني للمهدوية والهداية)، والأولياء (نواب التفكير المهدوي وهداة الأمة في عصر الغيبة). وبالغيبة الكبرى يفتتح "عصر الانتظار". فما معنى هذا الانتظار؟
على صعيد الفرد، الانتظار هو أمل كل إنسان في أن يلقى حقيقته الداخلية، ويجدد حياته عند لقائه مهدية بالروح، من خلال الرؤيا أو المشاهدة القلبية، ولم لا وجها لوجه. وبالتالي فإن الإمام ليس غائبا حقيقة فهو حاضر قائم، ولكنه محجوب عن نفوس الناس الذين لا يستطيعون "رؤيته"، لتعطل ذوق الأمور القدسية في قلوبهم. لذلك فسر بعض الشيعة الحديث النبوي "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"، تفسيرا رمزيا مرتبطا بمعرفة الإمام، والتي تعني عمليا التجديد الروحي وبلوغ الكمال. أما على صعيد الجماعة، فمعنى "الانتظار"؛ هو الأمل في إحقاق العدل والكمال والسلام والإسلام على الأرض وبين الناس. بمعنى أن الكلمة الأخيرة لن تكون للباطل ولا للظلم ولا للخديعة. ولكن هذا الأمل يمكن أن يتحول إلى كابوس؛ إذا استعمل استعمالا سيئا لخدمة مصالح شخصية أو فئوية.
الإنسان الكامل هو خليفة الله. إنه قطب الزمان وقطب عالم الإمكان الذي لا سبيل للتعدد إليه، أو الانقسام إلى ظاهر وباطن. إنه مصلح البرية التي خقها الله، ومن تحصل عن طريق أهم الفيوض الإلهية، أي فيض الهداية وتشخيص مسيرة الحركة الإلهية والنورانية، التي هي الهدف الأخير من الوحي والتشريع الإلهي. وسائل من قبل رفع الخلافات وإقامة القسط والعدل، وهي من الأهداف المتوسطة لرسالة الأنبياء، تتحقق أيضا عن طريقه. إن معدن الكلمات الإلهية، وجامع كل المراتب الإلهية والكونية، ابتداء من العقول والنفوس الكلية والجزئية، والمراتب الطبيعية حتى آخر مراتب تنزلات الوجود وتطوراته. الدنيا قائمة وباقية بميقاته، والناس ترزق ببركاته، والسموات والأض قائمات بوجوده. وهو الوحيد الجدير الخلافة على الأرض والولاية على الناس، كما قال الصادق: (نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله، ونحن عين الله في خلقه، ونحن ولاة أمر الله في عباده).
إن الله تبارك وتعالى ولأجل إتمام وإكمال هدايته التشريعية أراد طبعا إبلاغ هذه الشريعة، وقد تم هذا الفرض. وبالإضافة إلى ذلك فقد اختار الإنسان الكامل المعلم بالأسماء الألهية، لكي يقوم بعد تكميل واستحصال مواهب الأرض وإمكانياتها، بتسويد دين الله على المجتمع وتشكيل حكومة الصالحين والمتقين. فهدى البشر إلى طريق القرب المعنوي من الله وعباده في ظل الحكومة الإلهية ودين الصالحين. إنه المظهر الأتم والكعبة الأكمل للاسم الإلهي الأعظم في زماننا، قائم آل محمد الإمام المهدي الهادي الفاطمي الهاشمي، أبو القاسم محمد، نعم الخلف الصالح "الحجة الحسن العسكري"، الوارث لخاتم النبوة، الذي يتمتع بعومه وأحواله ومقاماته بشكل كامل. وهو الموجود ببدنه العنصري في العالم الطبيعي وتيار الزمن. وبه يتحقق وعد الله تعالى في سيادة الدين الإسلامي على جميع الأديان.
إن تأسيس الحكومة وتولي زمام أمور المجتمع من شئون ولاية الإنسان الكامل. وقد بادر إليه النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام، والإمام علي كرم الله وجهه. وهذا الأمر لا يلعب دورا حاسما في هداية البشر وحسب، بل له نصيب وافر في إحياء الأحكام والآيات الإلهية، وتخليصها من العزلة والاندراس والدفن والبقاء في سجن الكتب والمكتبات. وبالطبع فإن نتيجة إحياء الأحكام والآيات الإلهية ليست سوى هداية وحماية وإحياء المجتمع البشري. بيد أن الأئمة وهم حملة حقيقة الولاية والإمامة لهم تجليات مختلفة بحسب الظروف الزمانية والمكانية؛ ومن ذلك الصبر أحيانا والسكوت والجلوس في الدار أو الصلح والسلام، أو الثورة والمعارك الدامية، أو العبادة والدعاء، أو تشكيل الحوزات الدراسية، وإعداد الطلبة وبيان الأحكام والمعارف الدينية، أو تحمل السجن والحبس.
إن حقيقة الإمامة شيء واحد، ولها هدف واحد هو هداية الناس ونورانيتهم وجعل المجتمع إلهيا ربانيا. المجتمع الإنساني هو غاية الغايات لكل الموجودات الإمكانية. إذن يبقى العالم كله ببقاء الإنسان الفرد الكامل. إنه مظهر الاسم الأعظم وتجليه الأتم، إنه كعبة الجميع وليس ثمة أجدر وأحق منه، وهو ثمرة شجرة الوجود وكمال العالم الكوني، وغاية الحركة الوجودية والإيجادية والإيجابية، ولا تخلو الأرض أبدا منه. إن هذا الحجة سواء كان ظاهرا أو غائبا فهو شاهد؛؛ شاهد قائم لا يقعد أبدا "اللهم بل لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا".
نعلم جميعا أن كافة الأنبياء والرسل الإلهيين، أشاروا إلى خاتم الأنبياء في آخر الزمان وأخبروا عنه. ولكن في آخر أزمنة الرسالة والنبوة وباختتام السفراء الإلهيين، حيث كلف " ولي الله " في مقام تجلي اسم "ولي" الحق تعالى. ومن خلال اتصاله بمعنى الوحي المحمدي، كلف بهداية البشر لنيل القرب من الله وعبوديته. لذلك نقرأ في زيارة الإمام علي كرم الله وجهه في يوم الغدير: "الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل"، لقد أغلقت باب النبوة بعد نزول القرآن، وفتحت أبواب (الولاية) مع الأئمة المهتدين.
إن بداية حكومة الإمام في آخر الزمان ستكون بداية لعصر جديد في حياة الإنسانية. عصر يمثل حصيلة كدح وجهود كل الأنبياء والأولياء الإلهيين في كفاحهم المستمر ضد طواغيت التاريخ وفراعنته. كما أن رسول آخر الزمان، وفي خاتمة سلسلة الأنبياء وبتلقي القرآن وإبلاغه، الذي يشتمل على البرنامج الكامل والجامع للحياة البشرية، فأدخل بذلك عصرا جديدا من ولاية الأئمة الأطهار: والغيبة الصغرى والغيبة الكبرى، هو المنادى بعصر جديد للبشر يحقق لهم التوحيد والحكمة والعدالة والأمن والألفة والديانة المعنوية. فنحن نقرأ في الروايات أن الإمام سيظهر دين الحق على الدين كله، ويميت البدع والضلالات ويحيي الإسلام. ويجعل القرآن ملاكا ومعيارا للأفكار والأعمال، ويحيي الواجبات والمستحبات. ويفشي في حكومته الفذة العالمية العدالة بين الرعية، ويعيد حق الله وحق أهل البيت.
في الإسلام، اتخذت الحركات المهدية ومن فكرة المهدي / المنجي طابعا سياسيا واضحا: إذ كانت تسعى إلى تغيير النظام القائم مثل الثورات الشيعية، أو إلى تكريسه مثل الحركات المهدوية الأخرى. تشترك الحركات المهدية في الاعتقاد بنهاية العالم أمر حتمي، على أنقاضه، يقوم عالم السعادة الكاملة، وتكمن رسالة المهدي المنتظر في تحقيق هذا الحلم. وتستند فكرة المهدي المنتظر / المخلص إلى عقيدة وفلسفة تقوم على تغيير الأسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ فالتغيير المنشود تؤيده أيضا "نصرة إلهية". وترتقب الشخص الذي يملك الكرامات الكافية واللازمة لتحقيق فعل النجاة والخلاص، ومثل هذا الخلاص والاعتقاد قد يصدر عن فكرة الولاية / ولاية الفقيه، أو الولاية الصوفية. فلا مانع أن تنقلب الولاية إلى مهدية؛ حالما كانت الأغراض والأهداف سياسية روحية تهذيبة، تهدف إلى التغيير وتحقيق الخير والهدى والعدل والسلام.
وفي التاريخ الإسلامي نقف على الكثير من الثورات الشيعة في المشرق والمغرب، والتي انطلقت باسم المهدي والمهدوية: ثورة المختار، وثورة زيد، وثورة عبد الله بن معاوية "حفيد جعفر بن أبي طالب"، وثورة المهدي بن تومرت في المغرب وغيرها من الثورات إلى غاية القرن التاسع عشر والعشرين. فالحركات المهدية على سبيل المثال في الغرب الإسلامي، والتي قاومت الاستعمار في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان تيزعمها شيوخ ينتمون إلى الطرق الصوفية. وفي السودان اعتبر المهدي نفسه " من الأولياء العارفين، الذين أدركهم الله بسابق سعادة، ولم يحجبوا عن رؤية الحقيقة. يحقق المجتمع المهدي السعادة للبشر بفضل تطوير وسائل التغيير والمغالبة، وعن طريق توزيع عادل للخيرات وإقامة شرع الله.
المهدوية وعقيدة المنجي والبنى الاجتماعية ـ المغرب الإسلامي الحديث كحالة ـ
من الناحية الاجتماعية وكمثال من الغرب الإسلامي، ينتشر الفكر المهدي في أوساط تتميز ببنية زراعية أو حرفية تقليدية؛ في مواجهة عنيفة مع الرأسمالية الاستكبارية والاستعمارية. وتجند عدة شرائح اجتماعية متباينة طالها الفقر والخراب؛ بفعل السياسة الاستعمارية والفواجع الطبيعية كالأوبة والمجاعات. وتتكون هذه الشرائح من الفقراء والجماعات البدوية، أو من أرستقراطيات عقارية عانت سياسة المصادرة والاستغلال، أو من حرفيين وتجار أصابهم الإفلاس بفعل المنافسة الربوية الرأسمالية.
إن هذه الشرائح الاجتماعية المتباينة، لا تؤمن بجدوى العمل السياسي المنظم، لتحقيق أمانيها وتطلعاتها السياسية والاجتماعية، بل تؤمن بالعمل المباشر والعنف، وتهاجم رموز الظلم الاستعماري: المعمرين / المستوطنين / أعوان الإدارة الاستعمارية، مراكز الشرطة والدرك والإدارة، ثم تلجأ إلى تختفي بها بانتظار تحقيق (المعجزة / الكرامة / النصرة) على يد المهدي المنتظر. تندلع الثورات المهدية، ويكون انتشارها في الأقاليم سريعا، مثل انتشار النار في الهشيم، لكن سرعان ما ينطفئ لهيبها، لكنها تترك آثارا عميقا في نفوس الرعية والمواطنين بعد إخمادها.
في البداية نسوق أمثلة عن الحركات المهدية، التي شهدتها دول المغرب الإسلامي خلال القرن التاسع عشر في مقاومة الاستعمار الفرنسي. خلال سنة 1834 ثار الشيخ أبو موسى بن الحاج الأغواطي في نواحي المدية، وشق عصا الطاعة لأنه كان يعتبر التفاوض مع الكافر الفرنسي انحرافا عن الجهاد الإسلامي المقدس. لقد عارض المعاهدة التي أبرمتها المقاومة مع جنرالات فرنسا، وأعلن الجهاد فالتفت حوله قبيلة صبيح، وكثر أشياعه. وادعى لنفسه الكرامات على أنه "المهدي المنتظر". ينتمي الشيخ أبو موسى إلى الطريقة الدرقاوية، التي اشتهرت بمواقفها الثورية وبنفوذها الواسع في الأوساط الفقيرة، فكثر أتباعه وكان جيشه "كالجراد المنتشر".
وخلال سنة 1845، قامت انتفاضة الشيخ "أبو معزة" بإقليم الظهرة، فاتسع نطاقها إلبى جبال الونشريس وإقليمي التيطري والحضنة. كان "بو معزة" شيخا من شيوخ الطريقة الطيبية، لا يظهر أمام الناس إلا مستصحبا عنزة يجرها معه، فتكنى بها. وتظاهر أو تلك هي حقيقته بمظهر الصالحين الناسكين، وصارت الخوارق تظهر على يده، وتلقب بالمهدي محمد بن عبد الله. فتبعه الناس وانضوت تحت لوائه قبائل وعروش، وكثر أشياعه فاشتهر ذكره عند العام والخاص. ظهرت حركة المهدي بومعزة في ظرف تاريخي عم فيه اليأس؛ بسبب الضربات التي تلقتها المقاومة. ودامت حركة الانتفاض إلى غاية ماي 1847، واستمرت الحركة سنتين كاملتين، لأن هذا الأخير كان ينتقل من إقليم إلى آخر، يقوم ثم يختفي، رغم الضربات التي كان يتلقاها من الجيش الفرنسي.
عقب ثورة 1871 الشهيرة، وفي ظل وضع اقتصادي مترد، اتسم بالجفاف والعوز العام، قامت حركة الشيخ محمد أمزيان بإقليم الأوراس سنة 1879. كان الشيخ إماما فقيها، ينتمي إلى زاوية تبرماسين الرحمانية، اعتقد الناس بكراماته، وسادتهم لحظة فرح عام بتحرر الوطن وساعة ابتهاج عم الجميع. اعتبر نفسه مهديا لإثبات قدرته وقوته وتمكين نفوذه، فكان يوقع الرسائل التي يوجهها إلى العروش والقبائل باسم "محمد بن عبد الرحمن الإمام المهدي، المبعوث بالحق، والذي يهزم من كفر". بعد العصيان بمقتل شخص من فرقة الدواير، التي حاولت اعتقال الشيخ محمد أمزيان وسط عرش اللحالحة، الذي نزل به في مهمة تدريس القرآن وإمامة الناس. ثم وقعت معركة (الأرباع)، وانتهت إلى انسحاب الشيخ محمد أمزيان وبعض أتباعه إلى نفطة بالجريد التونسي.
وفي عام 1901 احتشد أكثر من مائة شخص بقرية عين التركي، القريبة من مدينة خميس مليانة، يقودهم مرابط يدعى (الشيخ يعقوب). اعتبر نفسه مهديا جاء لينقذ المسلمين من بطش الكفار، فاستولى الثوار على القرية، واشتبكوا مع القايد وأعوانه، ثم اعترضوا عددا من المعمرين فخيروهم بين الدخول في الإسلام أو القتل. وفي المساء وصلت كتيبة من الجيش الفرنسي، واشتبكت مع الثائرين. كما شمل العصيان قبيلة ريغة، التي كانت تقطن جبال زكار، وتعيش على أرض زراعية فقيرة، وعلى رعي الحيوانات في الأحراش والغابات. بلغ التذمر ذروته لما عانته هذه القبيلة من سياسة المصادرة والتعسف الإداري، وانتزعت الإدارة الاستعمارية من القبيلة أراضيها. وهكذا تقلصت أراضيهم وتقلص عدد فلاحيها، وتعرضوا إلى سياسة الفقر والتجويع، فثاروا على بكرة أبيهم وقادهم مشايخ بدورهم ادعوا الزعامة وأنهم "المهدي المنتظر".
وفي أواخر القرن التاسع وبداية القرن العشرين انتقلت فكرة "المهدي المنتظر" إلى الموروث الثقافي؛ عبر ألسنة شعراء المديح النبيوي وآل بيته الطاهرين. تتحدث عن قرب قدوم المخلص والمنجي "المهدي المنتظر"، وكانت موضوعاته تعمل على مقاومة اليأس، وترسخ الأمل الخاص بالثورة والتحرر من النير الاستعماري. اعتقد هؤلاء الشعراء في المديح النبوي في آل بيته، أنهم مسكونون بروح "المهدي المنتظر"، ومسكونون بأرواح الأولياء الصالحين العارفين المخلصين. فذاع صيتهم في الأوساط الشعبية، وانتقلت شهرتهم في المدن والأرياف. ونجد مدونة "ديوان الصالحين" التي تم العثور عليها في مدينة البليدة، تحكي مداولات الأولياء الصالحين، التي تبشر بقدوم " المهدي المنتظر / النقذ / الملخص من الاستعمار والجور والظلم: (يا أيها الأولياء الصالحون قوموا وتكلفوا بقضيتنا.. ابعثوا إلى هذه الأمة صاحب الوقت ومولى الزمان). واعتبر الرأي العام أن حلول القرن الرابع عشر الهجري، هو زمن الظهور للإمام المهدي / المنتظر، هذا "الإمام"، الذي اصطفاه الله لقيادة المؤمنين وإنقاذهم من جور الكفار وجور الاستعمار.
واقترنت صورة "المهدي المنتظر" بالغرب الإسلامي بالسلطان العثماني / المجاهد، فانتشرت في المدن والأرياف أخبار تتحدث عن قدوم الجيش المحمدي العثماني إلى الجزائر وعموم دول المغرب الإسلامي، ليخلصها من الوجود المسيحي ومن الاستعمار الأوروبي. وعلى إثر الانتصار الذي حققته الجيوش العثمانية ضد اليونان سنة 1879، تجددت الروايات والأحاديث حول قدوم السلطان العثماني / المجاهد؛ على رأس جرار، وهو قطب عصره "المهدي المنتظر". وعشية انتفاضة بني شقران بمعسكر لسنة 1915، تناقل الناس في المقاهي والأسواق أخبار قدوم الأمير خالد / حفيد الزعيم الروحي والثوري المجاهد "الأمير عبد القادر الحسيني الفاطمي" إلى المنطقة، على رأس جيش كبير، وهو "المهدي المنتظر" والملخص من الأستعمار الفرنسي. وهكذا ظلت الدعوة المهدوية المناوئة للاستعمار راسخة في ذهنيات الجماهير بالغرب الإسلامي وبالشمال الإفريقي.
وتجدر الإشارة إلى أن المدرسة التاريخية والتقليدية في الغرب الإسلامي، نظرت إلى الحركات المهدية نظرة ازدراء، ويتخذ مؤلفوها موقفا معاديا من القائمين بها. ينتعت المؤرخ المازري مؤرخ الحكام والسلطان أن أبا موسى الدرقاوي المهدي بالرجل الخامل الذكر، ويصف حركته بأنها أخلاط من عامة وأخلاط الناس. ونجد النظرة نفسها للمؤرخ الشيخ عبد الرحمن الجيلالي، حين يتهم أبا معزة بـ "المتمهدي"، الذي يتظاهر بالورع والصلاح ويقول بالكرامات. وفي نظرنا يعود عداء المؤرخين التقليديين للحركة المهدوية في الغرب الإسلامي إلى عاملين: إنهم عادة مثقفون سلفيون، لا يؤمنون بصحة نسبة الكرامات للأولياء والصالحين، إذ لا يرون لها دليلا قاطعا في النصوص الدينية. إنهم شريحة اجتماعية تنتمي إلى طبقة الخاصة، التي تنظر بعين القلق إلى الثورات والانتفاضات الاجتماعية، التي ترمي إلى زعزعة النظام القائم، وإلى ذهاب امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية. وحتى ابن خلدون الذي تميز بنرة عميقة للحركات الاجتماعية التي شهدها المغرب الإسلامي، فإنه اعتبر دعاة المهدية والمهدوية "من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق.. ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم".
نجد اهتماما بالتصورات المهدوية وفكرة المهدي المنتظر والمخلص في البحوث الأثنوغرافية والدراسات الأنثروبولوجية، التي تتناول التراث في المجتمعات المغاربية، وظاهرة المقدس على وجه الخصوص. كيف تتجلى الوظيفة التاريخية للحركات المهدية من خلال هذه الدراسات والبحوث؟
إننا نجد أكثر الحركات المهدوية في الغرب الإسلامي، تنتشر عقب الثورات المسلحة الكبرى، وخلال ما أسميناه بفترات هدوء، بهدف مقاومة اليأس الناتج عن إخفاق هذه الثورات، وإحياء الأمل بالتحرير المرتقب. وما هو ثابت ومؤكد أن شعوب المنطقة قادرة على الصمود أمام النكبات والمحن. لقد كتب الله على المسلمين أن تناولهم المصائب وعليهم أن يتحلوا بالصبر والمصابرة والمغالبة، وبالعزيمة القوية إلى أن تحل ساعة الفرج، وساعة صاحب الزمن والوقت المهدي المنتظر".
تعيد الحركات المهدوية بالغرب الإسلامي تفعيل الذهنيات الحية، حين تخفق الانتفاضات المسلحة. إنها لا تترك مجالا لليأس والخنوع، بل تعمل على إثارة "الغيرة الوطنية"، وإبقاء أمل الاستقلال والحرية والعدالة ثابتا، لا يتزعزع في نفسية الشعب والجماهير. كما أحي شعراء المديح النبوي ذكرى الإمام علي والشهيد الإمام الحسين، وهما يصارعان الغول (الاستعمار والظلم والاستبداد). أو ذكرى أولياء الله الصالحين المخلصين، الذين قامت دعوتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما حافظت فكرة وعقيدة "المهدي المنتظر / المنجي والمخلص" على القدرات القتالية والجهادية، وطاقات المقاومة لذى هذه الشرائح الاجتماعية المتذمرة والثائرة على الظلم والمطالبة بالعدالة.
المهدي المنجي..المسيح المخلص..الملكوت الإلهي..من منظور المسيحية
تتحدث تعاليم الأنبياء والأديان التوحيدية بكل تفاؤل وحماس وثقة عن المستقبل الإيجابي للعالم، حيث يظهر مصلح / مخلص / منجي من ذرية الأنبياء يملأ العالم بالعدل والقسط. والفرق والأديان غير الإبراهيمية أيضا، والمدارس والمسالك البشرية تتحدث هي الأخرى عن ظهور منذ للبشرية في نهاية التاريخ. لذا يمكن اعتباره بشارة الموعود والوعد بالمخلص أمرا فطريا عقليا ودينيا في تاريخ البشر، رغم أن أي دين أو مذهب لم يتحدث عن المنقذ الموعود بأدق وأعمق، وأكثر صراحة وثقة من التي نلاحظها في التشيع. ومن جهة أخرى، نشهد اليوم دعاية سلبية واسعة النطاق ضد الحكم العالمي للمصلحين بمحورية (الإنسان المصلح الموحد). إن هذا التيار يكرس من قبيل الهيمنة الرأسمالية الليبرالية، وسيادة خلايا الرأسمالية اليهودية؛ في الدفاع عن العالمي الحالي وهرم سلطة الحكام في عصرنا الراهن.
ولا شك في أن حركة الأنبياء والتعاليم السماوية، تدعو إلى تنظيم حياة الإنسان وهدايته. وقد رفعت الأديان التوحيدية الإبراهيمية هذا الشعار ونادت به؛ من خلال المسيرة التاريخية، حيث اتفق العلماء على هذا المفهوم من خلال تفسيرهم الكمال. وهم يعنون تخليص الإنسان من معاناته وإيصاله إلى الصلاح، وعليه فإن هذه المفاهيم: المنجي، المخلص، الملكوت الإلهي، التكامل، وغيرها. إنما هي مفاهيم لازمة ومطلوبة ومؤثرة في المجتمعات الإنسانية والمذاهب الداعية لها. في المسيحية، كان يعتقد أن المسيح عليه السلام سيعود من أجل الخلاص إلى الأرض بعد ألف سنة من ميلاده، ليملأها عدلا. ساد هذا الاعتقاد في أوروبا المسيحية عند نهاية الألفية الأولى، وهو ينتشر من جديد لدى طوائف مسيحية في الولايات المتحدة مع نهاية الألفية الثانية وحلول الألفية الثالثة.
في العديد من الأديان الإلهية والبشرية والمدارس الفكرية أنماط متنوعة من الإيمان بالمنقذ، وبالألفية، وبالموعود، وبالمدينة الفاضلة، وبالمصلح العالمي. وحتى في العالم المعاصر فإن هذه المعتقدات لا تزال تطرح بقوة. وقد كان العالم الغربي في إطار معتقداته المسيحية يؤمن بظهور ثان للسيد المسيح، ويروج هذه العقيدة بحماس في مواعظه وتوصياته. لذلك فإن طرح فكرة المهدوية في مناخ القرن الحادي والعشرين ليس مستبعدا أبدا، بل إن الكثيرين بانتظار مثل هذه الفكرة والمثل العليا. وواضح أنه في عصر نهاية الإيديولوجيات وسقوط الماركسية في بداية التسعينات، والأزمات المتتابعة التي منيت بها الليبرالية الديمقراطية، اكتسبت فكرة المهدوية درجة أعلى من قابلية الطرح العالمي واستقطاب المخاطبين من مختلف أرجاء المعمورة.
يعتقد كوربان أن الإيمان بالوجوه المقدسة الاثنى عشر في المسيحية، إلى جانب الوجوه المقدسة الاثنى عشر في التفكير الإمامي، دليل على الصلة المعنوية بين المسيحية والإسلام. وفي معرض تبينه لهذه الصلة يشير إلى (نرجس خاتون) والدة المهدي (عجل الله بفرجه الشريف)، التي كانت في البداية مسيحية ومن أميرات الروم وأمها من ذرية أحد حواري السيد المسيح هو (شمعون) الوريث المعنوي للسيد المسيح. ثم تحولت إلى الدين الإسلامي، ويعتبرها الواسطة وحلقة الوصل بين المعنوية الإسلامية والمسيحية، وسبب تعرف المسيحية على الإسلام.
في مقارنته بين المفردات، يتطرق لكلمة (باراقليط) في الإنجيل، ويطبقها على الإمام المهدي. ويقول أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلقب قبل ولادته وبعثه بلقب (باراقليط)، وحيث أن هناك صلة بين خاتم النبوة وخاتم الولاية وهو الإمام المهدي، يرى المفكرون الشعة من قبيل عبد الرزاق الكاشاني، والسيد حيدر الآملي يوحدون بكل صراحة بين الإمام الثاني عشر وباراقليط (الذي بشر به وبظهوره في إنجيل يوحنا). ويوضح كوربان السبب بالنحو التالي: السبب هو أن ظهور الإمام أو البارقليط، يعني بداية عهد المعنوي الصرف للوحي الإلهي (أي حقيقة الديانة وهي الولاية الباقية)، وستكون قيادة الإمام عهدا لقيامة القيامات.
وعندما يظهر الإمام المهدي ويقيم حكومته العالمية، ينزل عيسى بن مريم من السماء إلى الأرض، ويقتدي بالإمام طبقا لما ورد في الروايات العامة والخاصة. ويعتقد المسلمون أن عيسى عليه السلام رفعه الله إلى السماء، وسوف ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد(ص) مع اتصافه بالنبوة، وسوف يقتل الدجال ويدعو إلى الإسلام. ويكون المسيح حاكما من حكام هذه الأمة ومجددا لأمر دينها. فإن محمد(ص) خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع. وقد أخذ الله سبحانه وتعالى العهد والميثاق على جميع الأنبياء أن يتبعوا محمد(ص) وينصروه. إن من أهل الكتاب، من سيؤمن بعيسى عليه السلام إيمانا صحيحا، بعد نزوله من السماء قبل موته. فهو لم يمت، بل رفعه الله إلى السماء، وسينزل بأمر الله في آخر الزمان.
إذا أوشكت أيام الدجال على الانقضاء، نزل المسيح(ع) بأمر الله إلى الأرض، عند صلاة الفجر، إبان الإقامة، فيصلي الصلاة خلف المهدي، تكرمة الله هذه الأمة، ثم يتسلم منه الأمر، ويصبح المهدي من أصحابه وخواصه المقربين، نظرا لشرف النبوة، ويعملان معا على محاربة مسيح الضلالة وإعلاء كلمة الله. إن عيسى كما هو معلوم كلمة الله وروح الله، ومحيي الموتى بإذن الله، ورسول من أولي العزم، ولا يدانيه أحد في الفضل والقرب عند الله تعالى، ولكن عيسى بن مريم يأتم بالإمام المهدي ويتحدث مع الله تعالى بلغته. وبالرغم من أن موسى بن عمران من أنبياء الله وأولي العزم، وقد بعثه الله بتسعة آيات، وكان مقربا لساحة القدس الإلهي. فهو حسب الروايات يطلب القرب من مقام الإمام المهدي، ومن ذلك نعرف علو ومكانة وعظمة مقام المهدي عند الله تعالى.
اتفقت الروايات على أن المسيح ينزل في بلاد الشام، واختلفت في تحديد مكان نزوله، لكن هناك روايات مرجحة أنه ينزل في دمشق. وثمة احتمال كبير أن يكون نزوله القدس، وروايات أخرى تقول أنه ينزل ببطن الأردن في عقبة أفيق. واجتهد ابن كثير في جمع الأحاديث والتوفيق بينها فقال: يكون نزول مسيح الهدى في أيام مسيح الضلالة على المنارة الشرقية بدمشق، فيجتمع إليه المؤمنون، فيسير بهم قاصدا نحو الدجال. وقد توجه نحو بيت المقدس، فيدركهم عند عقبة أفيق، فينهزم الدجال منه، فيلحقه عيسى عند مدينة باب ولد، فيقتله بحربته وهو داخل إليها. ويقول: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال ينماع كما يذوب الملح في الماء، فيتداركه عيسى فيقتله بالحربة، فتكون وفاته هناك. وبعد مقتل الدجال وهلاك ياجوج وماجوج، يحج عيسى(ع) البيت الحرام.
وبعد أن تضع الحرب أوزارها، يعيش الناس في نعمة لم ينعموا بمثلها قط، حيث تنزل عليهم بركات دينية ودنيوية. فترفع الشحناء والبغضاء والضغينة من صدور الناس، وينزح السم من ذوات السموم، وتصبح الأسود وديعة، تنزل السماء خيرها، وتخرج الأرض بركاتها، ويعم الخير، فليس ثمة من يقبل الصدقة. وفي حاشية الكتاب المقدس تتضمن وصف أزمان المسيح وما يكون فيها من السعادة والدعة، وينشر العدل والسلام، وترتد إليه الأمم الوثنية. ويجتمع تحت راته المشتتون من بني إسرائيل من كل وجه في الأرض، فيصيبون تحت سلطانه مملكة تتسلط على جميع أعدائها.
إن حقيقة نزول المسيح الأكيد، ونصره النهائي يتفق فيه المسلمون والنصارى. غير أن للنصارى نظريات كثيرة مختلفة في نزوله، وهو ما يسمونه (الرجاء المبارك). وأن رجوعه من اليقين المنظور: ففي في أعظم الضيق، عندما يزداد الشر ويصل إلى ذروته، يقترب المسيح من العالم، وتراه كل عين، وكما ارتفع سابقا من الأرض سيرجع مكشوفا لكل أعين البشر. فهو سيرجع بذات الطريقة الشخصية التي فارقهم بها، وسيكون مجيئه منظورا للجميع، أي أكثر من مجرد رجوع روحي. ويزعمون أنه ما من حقيقة كشفت في كلمة الله أكثر من هذه الحقيقة. لم يعط المسيح تلاميذه جدولا فيه مواعيد محددة عن تدرج الأحداث الزمنية الأخيرة، وعن مجيئه، وإنما حرضهم على اليقظة الروحية، أي سيأتي وشعوب الأرض لا تترقب عودته. يأتي المسيح بسلطان عظيم ومجد بهي، وجمهور الجند السماوي يرافقونه. لا يأتي بالدرجة الأولى كديان، بل كابن الإنسان.
إن كثيرا من البلبلة والاضطرابات قامت حول عودة المسيح، فمنذ رفعه الله إلى السماء إلى يومنا هذا. يدعي بعض النصارى أن مجيئه سيكون في أيامهم، حتى أن بعضهم حدد وقت نزوله بالشهر والسنة، مع أن ذلك اليوم اختص الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا كما تذكر نصوصهم، ولذلك صمدوا بالواقع وعاشوا في حيرة. زعم كتاب الأناجيل أن المسيح(ع)، تنبأ بأن نهاية العالم ستكون في القرن الأول الميلادي. وقد سيطرت هذه الفكرة على مؤلفي العهد الجديد، ولا سيما إنجيل متى. فقد كان أكثرهم حرصا على تأكيدها. ففي متى 10 / 1 أن المسيح دعا تلاميذه الاثني عشر، وأعطاهم سلطانا على الأرواح النجسة، وأرسلهم في مدن إسرائيل وقال لهم: الحق أقول لكم؛ لن تنهوا عملكم في مدن إسرائيل كلها حتى يجيء ابن الإنسان. أي نهاية العالم وعدودة المسيح إلى الأرض، ستكون قبل أن يكمل التلاميذ عملهم في مدن إسرائيل.
ورفع المسيح(ع) إلى السماء، وعاش النصارى في انتظار رجوعه الذي ظنوه على الأبواب. وكان أهل الطبقة الأولى يعتقدون أنهم في آخر الزمن، وأن القيامة قريبة. وأن المسيح سينزل في عهدهم، استنادا إلى تلك الأقوال، بل إن منهم من يعتقد أن يوحنا لا يموت قبل أن تقوم القيامة. لأنهم يزعمون أن المسيح قال لبطرس عن يوحنا: "إن كنت أشاء أن يبقى حتى أجيء، فما ذلك". ففهموا من هذا القول أن يوحنا لا يموت حتى يجيء المسيح، وذاع ذلك وانتشر بين النصارى، واعترف علماؤهم بأن هذه العقيدة كانت مسيطرة على تفكيرهم. ويظهر ذلك من نصوص ورسائل وردت في العهد الجديد، من مثل: (ونقول لكم ما قال الرب: وهو أننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب، لن نتقدم الذين رقدوا؛ لأن الرب نفسه سينزل من السماء عند الهتاف ونداء رئيس الملائكة وصوت بوق الله).
إن أي بحث عن رجوع المسيح(ع)، يثير مجادلات تتعلق بالعصر الألفي، فهذه الفترة، ومداها ألف عام ذكرت مرة واحدة في الكتاب المقدس. وهناك القائلون بالمجيء قبل الألف، ويرى هؤلاء مستندين إلى بعض التأويلات لما جاء في رؤيا يوحنا، وإلى أحلام الكهان. أن الشرور ستزداد في العالم، وأن الضيق سيشتد على الناس، ولا سيما بعد ظهور الدجال. ثم تتوج هذه الفترة بعودة المسيح(ع)، والكتاب المقدس يحدد مدة الابتلاء هذه بثلاث سنوات ونصف، أو باثنين وأربعين شهرا، أو بألف ومائتين وستين يوما. وقال الكهان سيكون لمجيئ المسيح ظاهرتان: الظاهرة الأولى مجيئه لقديسيه، وهو ما يعرف بالاختطاف، والظاهرة الثانية مجيئه مع قديسيه للملك ثم الدينونة. (وآنئذ يقوم الموتى بالمسيح، ويتغير النصارى الأحياء، وكلاهما سيخطف إلى السحب لملاقاة المسيح.. وسينطلق بهم المسيح سريعا إلى احتفال النصر الأعظم، الذي لم يكن له مثيل في يوم من الأيام، ألا وهو عشاء زواج الخروف في السماء).
وصفوة القول: اضطراب قول النصارى في تحديد عودة المسيح(ع) وصفتها، وفي أعماله بعد عودته؛ فاعتقد أسلافهم أنه سيعود قبل نهاية القرن الأول، إثر خراب الهيكل. وكانت هذه العقيدة مسيطرة على تفكيرهم، لكن الهيكل قد تهدم، وانقضى القرن الأول، ومات أصحاب المسيح كلهم، ولم يأت المسيح. ثم اعتقد أكثرهم أنه سيعود بعد ألف عام، ويختطفه أحبابه إلى الغمام، ثم ينزل مع قديسيه، ويحكم العالم ألف سنة أخرى، واجتمعت آمالهم على هذه العقيدة. لكن لم يظهر المسيح فبقيت المسألة في الأحلام. ولما شارف هذا القرن على الانتهاء، بدأت الدعوات تظهر من جديد، واعتقدوا أن المسيح سينزل في آخر القرن العشرين، أو في مطلع القرن الحادي والعشرين، وربطوا ذلك بمعركة (هرمجدون)، وعلقوا آمالهم عليها من جديد.
الأسطورة اليهودية.. المخلص الموعود.. الأمة المختارة
حاولت الأسطورة اليهودية / الصهيونية بكيفية أو بأخرى استغلال المفاهيم الدينية كـ (المخلص والموعود)، الصلاح، الأمة المختارة، حرب الخير والشر، تحرير العالم من الظلم والفساد، والتحضير لعودة المسيح ثانيا.ولدت الحركة اليهودة / المسيحية، ورفعت شعارات ومفاهيم للوصول بسرعة إلى أهدافها وتحقيق أطماعها كمفهوم"المنجي"، و "الموعود"، و "الحرب"، و "العالمية بين الخير والشر في آخر مراحل التاريخ"، وتحرير العالم من ذل العبودية وتخليصه من العنف، واستنزاف الطاقات البشرية، وغيرها من الشعارات. استمرت فكرة الأسطورة بين الغربيين وعبور القرون الوسطى، فقد رأى كريستوف كولمب أن أسفاره التي قام بها جزء من سيناريو "العهد الألف"؛ لظهور المسيحية التي أدت إلى تحرير القدس من يد المسلمين، وإعادة بناء المعبد.
وحيث أن المستشرق والمفكر الفرنسي كوربان، يهتم بالتقريب بين الأديان السماوية والمذاهب. لذا يحاول خلق تقارب وتوافق بينها، فمثلا، بخصوص عدد الأئمة الاثنى عشر عند الشيعة، يحاول مطابقة ذلك مع الصور الفلكية الاثنى عشر لمنطقة البروج، أو نقباء بني إسرائيل الاثنى عشر، أو العيون الاثنى عشر التي تفجرت بعصا موسى، أو البناء المكعب الاثنى عشري للكعبة. فهو يقول: (ثمة حديث يصف نزول النور المحمدي في هذا العالم على شكل نزول تدريجي نحو الحجب النوراية الاثنى عشر. حيث يمثل الأئمة الاثنى عشر ألف عام من عصور العالم. والألف الثاني عشر هو إمام البعث أو قائم القيامة. وعليه، فإن الوجدان الشيعي بدوره فهم مراحل العالم بصورة اثنا عشرية).
وبهذا الترتيب، فإن "المسيحيين اليهود" اعتقدوا بأن "العهد الألف" قد صار مشارفا على الظهور والابتداء، وتصوروا الشركة الحقيقية لهم مع اليهود، وأنهم لا يمكنهم الاستغناء عنهم أبدا في ظهور تلك الأحداث الكبيرة التي كانت مع مجيء المسيح(ع). وقالوا أنه ينبغي عودة اليهود إلى فلسطين ليمهد لعودة المسيح ثانيا. ومن المبادئ التي تمسكوا بها اليهود المسيحيين بشدة هو مبدأ الدفاع عن الكيان الصهيوني، واعتقادهم بأن دولة إسرائيل الحديثة، بل الصهيونية بشكل عام هي ظاهرة وأمر إلهي، وقد تم الإعداد لإكمال الوعد الإلهي لإبراهيم(ع). وقد فسرت هذه الحركة نوع من الدفاع عن إسرائيل في قالب مفهومين هما: "العهد الألف" والتقدير، حيث يتم عبرها وبسهولة عرض ومعرفة الاعتقادات، وطريقة وأسلوب التفكير الصهيوني المسيحي.
أما "العهد الألف" ففيه يؤكد الله سبحانه على أنه يرسل مخلصا ومنجيا لنصرة دينه على رأس كل ألف عام، ويحرر المضطهدين من ظلم الطغاة والظالمين. وعلى هذا الأساس أنبأ دعاة هذه الحركة بمجيء المسيح(ع) في بداية الألف الثالث الميلادي، وصار العالم مترقبا لهذا الظهور. ويترتب عن ذلك جملة من المظاهر منها المعانة والمشقة تدوم سبعة أعوام للمؤمنين الباقين في الأرض، والظلم والاضطهاد الواقع على اليهود، وقيادتهم حرب الصلحاء ضد القوات المعادية للمسيح. ووقوع حرب "آرماجدون" في صحراء "مجيدو" في إسرائيل، وانهزام القوات المعادية للمسيح وجيوشها، ثم إقامة حكومة عادلة مفعمة بالأمن والسلام على يد المسيح في العاصمة أورشليم.
يرى أهل الكتاب أن ثمة معركة عنيفة عالمية كبرى ستقع على أرض فلسطين، سماها العهد الجديد (معركة اليوم العظيم يوم الله القدير). وهي المعركة التي تقع في الأيام الأخيرة التي تسبق القدوم الثاني للمسيح، ويروق للكثيرين أن يسمونها (هرمجدون). وهذه الكلمة مألوفة عند أهل الكتاب نجدها في كتبهم المقدسة، وأبحاث علمائهم، وهي كلمة عبرية مكونة من مقطعين أو لفظين (هر) ومعناه تل أو جبل، و (مجدو) وهو اسم واد أو سهل صغير، يقع شمال فلسطين. ويطلق اليوم أحيانا على ذلك المكان اسم (تل المتسلم). ويزعمون أن ساحة المعركة ستكون في مكان يمتد من (مجدو) في الشمال إلى (إيدوم) في الجنوب، قرابة مائتي ميل، ومن البحر المتوسط غربا إلى تلال (مؤاب) شرقا، مسافة مائة ميل. ويقولون أن تلك المعركة العالمية ستنشب بجيوش جرارة، يصل مقدارها إلى أربعمائة مليون جندي.
ستبدأ ولادة جديدة لكافة المسيحيين المناصرين لعقائد تطبيق مطالبات المسيح؛ عند بدء حرب "آرماجدون" وسيرى هؤلاء عيسى المسيح، وسينقلون من الدنيا إلى الجنة بسفن وبواخر عظيمة وسيشاهدون والمسيح من هناك فناء العالم، والعذاب المرير في هذه الحرب المقدسة. وسيكون النصر حليفا قريبا للمسيح على المسيح الدجال في حرب "آرماجدون"، ويسظهر المسيح مع المسيحيين الذين ولدوا مرة أخرى في هذا العالم، وسيهزمون معاندي المسيح، والنصر لهم في نهاية هذه الحرب المقدسة. وستقام حكومة عالمية في عاصمة بيت المقدس، ثم يجعلون المعبد الذي بناه اليهود والنصارى قبل بدء حرب "آرماجدون" بدلا من المسجد المقدس، ومسجد الصخرة مقرا للحكومة العالمية للسيد المسيح.
لا معنى للسلام في العالم قبل ظهور السيد المسيح من جديد. ولكي يمهد المسيحيون لظهوره ويسرعوا في ذلك، عليهم أن يحضروا مقدمات حرب "آرماجدون" وفناء العالم وزواله. ومن خلال تنبؤات الكتاب المقدس والحوادث قبل ظهور السيد المسيح، فقد عرضت الحركة الصهيونية عدة مقترحات في هذا الإطار، نشير إلى ثلاثة منها: الشعور بالاصطفاء الإلهي، بمعنى أن الله اصطفاهم لينقذوا البشرية وليخلصوها بأجمعها. وأن الطريق الوحيد لإنقاذهم وتخليصهم في آخر الزمان هو التسليم لهم، واتباعهم المسيحية. والشعور العميق في اقتراب آخر الزمان. وأكد هؤلاء على حرب "آرماجدون" وتصوروا أنهم المنتصرون في هذه الحرب، واعتقدوا أن المسيح سيهزم معانديه ومناهضيه في هذه الحرب. و "آرماجدون" بالعربية يعني "تل الشرفاء"، وهو تل عظيم في شمال فلسطين. و "هارماجدون" هي منطقة حدودية تقع محايدة بين الأردن وفلسطين المحتلة، وهم يعتقدون أن هناك حربا ستقع في آخر الزمان.
يرى كثير من أهل الكتاب، وبخاصة اليهود أن هذه المواجهة لا بد أن تكون قبل سنة 2000 م، لأنهم ينتظرون المسيح الذي يأتي لخلاصهم. وهو عند اليهود ملك محارب يسمونه (ميسيا)، يقودهم إلى زعامة العالم، ويزعم أكثرهم أنه يأتي بعد خمسين سنة من قيام دولة إسرائيل، ويتوقعون ذلك في شهر نيسان (إبريل) من عام 1998 م. أما النصارى فيعتقدون أن نزول المسيح سيكون يوم نشوب معركة (هرمجدون)، وقد حدد كثير منهم أنها ستكون قبل خرف عام 2001 م. فالرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون قال في كتابه (نصر بلا حرب 1999): "إننا في عام 1999 م نكون قد حققنا السيادة الكاملة على العالم، وبعد ذلك يبقى ما بقي للمسيح".
إن المسيحيين المخلصين، يجب أن يرحبوا بهذه الحادثة؛ لأنه بمجرد ما تبدأ المعركة النهائية هرمجدون، فإن المسيح سوف يرفعهم إلى السحاب، وسوف ينقذون، ولن يواجهوا شيئا من المعاناة التي تجري تحتهم. ومن أهم ما ظهر من الكتب في هذا الموضوع كتاب (دراما نهاية الزمن) لمؤلفه أوترال لوبرتس، وكتاب (نهاية الكرة الأرضية) مؤلفه لندسي. وكلاهما يصور بشكل درامي مثير نهاية العالم القريبة، وانهيار حضارته، ودمار جيوشه، بقيام معركة هرمجدون، حتى إن أحدهما يذكر أنه لا داعي للتفكير بمستقبل الأجيال القادمة وغير ذلك، فالمسألة لن تتعدى بضع سنوات، حتى يتغير كل شيء في العالم جذريا.
يتفق اليهود والنصارى على ان المسيح المنتظر سيكون من بني إسرائيل، وستكون قاعدة ملكه القدس، ويظن كل منهم أنهم سيكونون أتباعه. كما تتفق الملتان على أن تاريخ نزوله سيوافق رقما ألفيا / نسبة إلى الألف، فحلم النصارى بعودة المسيح إلى الأرض أن يقتل اليهود والمسلمين وكل من لا يدين بدينهم في معركة هرمجدون. ويعتقدون أن نهاية المعركة ستكون انتصارا حاسما لهم، وتدميرا كاملا للوثنيين، ومنهم المسلمين، فيغرقون في بحيرة النار المتقدة بالكبريت ـ كما تقول الرؤيا ـ وقد فسروا النار الكبريتية بالقنابل النووية، التي ستلقى على المسلمين، أما هم فيرتفعون مع المسيح فوق السحاب. وحلم اليهود بخروج الملك المسيح من نسل داود، أن يقتل النصارى والمسلمين، ويخضع الناس جميعا لدولة إسرائيل، فيصبح اليهود سادة العالم.
الخلاصة والنتائج.. في إشكالية المهدي.. المنجي..المخلص
ونستخلص مما سبق أن الأخبار استفاضت عند أهل السنة والشيعة / الفريقين أن النبي عليه الصلاة والسلام، قد عين الإمام المهدي على أنه وصيه الثاني عشر في عدة مرات. وأنه القائم بتنفيذ الشريعة الإسلامية وتطبيقها في العالم، وأنه هو الهادي المهدي، المنجي المخلص للبشرية. إن النظرة الشيعية حول مفهوم الإمام المهدي المنتظر عموما، والنظرية المهدوية خصوصا كان قد بعث على تطور المنهج الشيعي في تفسير النظريات الدينية، ومنها النهدوية. لقد كان للاعتقاد بالمهدي(عج) في بعده الثقافي دورا هاما وخطيرا في الحياة الفكرية والثقافية. باعتبار أن الحيوية والنشاط، والانفتاح والسمو والتطور الثقافي الشيعي، إنما يعود كله لتلك الطاقة والقدرة العظيمة للنظرية المهدوية التي احتواها الفكر الشيعي.
إن المهدوية هي اعتقاد إسلامي من جهة، وهي نظرية شمولية وكلية من جهة أخرى، حيث عرضت على المذاهب البشرية من خلال تحقيق المجتمع المثالي النموذجي في المستقبل. فلو كان المهدوية تساوي (المنجي)، فإن لفظة (المنجي) وردت في الكثير من المذاهب والأفكار المستقبلية، وعلى رغم اتفاق هذه المذاهب في أصل مفهوم (المنجي)، وتحقيق المجتمع المثالي في المستقبل، لكنها تختلف في الجزئيات وكيفيتها.
تأسيسا على ما سبق؛ يجب على البشرية أن تصل إلى الكمال والسمو، كي تستطيع بلوغ الهدف والمحطة الأخيرة للتاريخ. في هذه المحطة الأخيرة يجب أن تكون علاقة الإنسان مع الله ومع نفسه ومع الآخرين ومع الطبيعة، قد تحسنت وتعدلت. إن هذا المعيار والمؤشر يعد النموذج الأهم والأساس في أطروحة "عقيدة المهدوية". فالمهدوية / المهدي / المنجي / المخلص؛ عبارة عن رؤية وتعاليم جامعة وشاملة وموضوع استراتيجي. وهي مجموع من التعاليم تقدم تفسيرا استراتيجيا للساحات الرئيسية من حياة الإنسان والسياسة والاقتصاد والمجتمع والحكومة والعلاقات الدولية. وفي الحقيقة أن عمل المهدي عمل مثالي وصانع للفكر، وفي نفس الوقت قابل للتنفيذ وعالمي شمولا. وذلك من أجل سعادة الإنسان والرفاهية في حياته؛ على أساس النهضة الإسلامية النبوية والعلوية.
وتأسيسا على مع ما سبق، فإن المهدوية ودعوة المهدي المرتجى المخلص؛ هي التصوير والتخطيط الكامل والشامل للمجتمع الموعود به وبيان خصائصه وبرامجه وأهدافه واستراتيجيته وتعاليمه المتنوعة. وينبغي في إطار هذه الرؤية تعيين موضع السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع، وتبيين علاقة بعضها ببعض. إن عملية وضع السياسات في هذا النظام سيكون في صورتها العامة والعريضة، وتكون متطابقة مع المتطلبات الحقيقية للشعوب والناس. حيث تعمل على استكشاف جذور النقائص والمصاعب المزمنة للحاة البشرية، وتقدم عرضا نموذجيا ساميا ومجى للحياة السياسية وعقد علاقة ثنائية بين الدنيا والآخرة.
في العديد من الأديان الإلهية والبشرية والمدارس الفكرية أنماط متنوعة من الإيمان بالمنقذ، وبالألفية، وبالموعود، وبالمدينة الفاضلة، وبالمصلح العالمي. وحتى في العالم المعاصر فإن هذه المعتقدات لا تزال تطرح بقوة. وقد كان العالم الغربي في إطار معتقداته المسيحية يؤمن بظهور ثان للسيد المسيح، ويروج هذه العقيدة بحماس في مواعظه وتوصياته. لذلك فإن طرح فكرة المهدوية في مناخ القرن الحادي والعشرين ليس مستبعدا أبدا، بل إن الكثيرين بانتظار مثل هذه الفكرة والمثل العليا. وواضح أنه في عصر نهاية الإيديولوجيات وسقوط الماركسية في بداية التسعينات، والأزمات المتتابعة التي منيت بها الليبرالية الديمقراطية، اكتسبت فكرة المهدوية درجة أعلى من قابلية الطرح العالمي واستقطاب المخاطبين من مختلف أرجاء المعمورة.
وفي منظور المسيحيين واليهود أن عودة المسيح(ع) وظهوره سيكون في موطنه الأصلي، فلا بد من الإعداد له والتهيئة لقدومه، وذلك بتجميع بني إسرائيل في أرض فلسطين. وهكذا اتفق اليهود والنصارى على أن قيام دولة إسرائيل، وتجمع اليهود في فلسطين، سيكون في فلسطين، سيكون تمهيدا لنزول المسيح. وابتدع خامات اليهود فكرة تأجيل الخوض في التفصيل حاليا، والاهتمام بالمبدأ الأساسي ألا وهو مجيء المسيح، وذلك بالتعاون والتخطيط سوية للتهيئة لعودته، وأقرهم على ذلك الإنجيليين الألفيين. لقد كانت نتيجة الحركة البروتستانتية والتمثيل التوراتي ظهور فكرة الصهيونية النصرانية؛ قبل ظهور فكرة الصهيونية اليهودية وتبنيها لعودة اليهود إلى فلسطين، تمهيدا لعودة المسيح التي كان بعضهم يظن أنها ستكون في بداية القرن الميلادي.
وهكذا وقد ظهر واضحا بعد سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفياتي، أن عدوهم المشترك هم المسلمون. وانشغل الاعتقاد بقوة بالبعث اليهود جانبا مهما من اللاهوت البروتستنتي الأمريكي / اليهودي، حيث احتلت معتقدات المسيح المنتظر في مقابل المهدي المنتظر الساحة الأمريكية، بل إن فئات مختلفة من النصارى في أمريكا وغيرها، ممن يؤمن بالعقيدة الألفية، وعلى رأسهم الأصوليون الإنجليون الجدد، ابتداء برؤساء الجمهورية وانتهاء بكثير من العامة، يعتقدون أن الصراع بين المسلمين واليهود، هو صراع بين داود وجالوت. قال الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه (نصر بلا حرب): في العالم الإسلامي من المغرب إلى أندونيسيا، ورثت الأصولية الإسلامية مكان الشيوعية، من حيث كونها الأداة الأساسية للتغيير). هذا التغيير الذي سيحدثه من غير شك منظور عقيدة (المهدي المنتظر) ودكترين المهدوية في أوساط المسلمين سنة وشيعة.
إن أهم خصائص المهدوية ودعوة المهدي / المخلص / المرتجى؛ عقيدة شاملة وعالمية وأن جامعيتها وشموليتها، تحتضن أفراد البشرية الممتدة من المشرق إلى المغرب. إنها ذات شمولة عالمية وليست مناطقية أو إقليمية، إن هذه العقيدة لا تكون حكرا لقومية أو مجموعة أو دولة أو عرق أو لغة، وضامنة سعادة الجميع. وإن الطبقات الدنيا للمجتمع البشري سيصلون إلى القمة وستراعى الفئات المنسية في المجتمع. وليس الأمر كذك في النظريات الأخرى، فهناك طبقة خاصة يرتكز عليها، كـ "الطبقة العاملة والبروليتاريا" عند ماركس، أو "القومية الألمانية الفضلى" عند هيجل، أو "الشعب المختار" عند اليهود، أو "العالم الغربي" عند فوكو ياما. وقد وردت في روايات كثيرة: "وتشرق الأرض بنور ربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب"، وأيضا "يحييها الله بالقائم". وأن تلك الروايات دالة على شمولية النجاة والفوز لكافة البشر، وأنها تتجسد من خلال ظهور المهدي / المنجي / المخلص.
نسخه قابل چاپ
ارسال اين مطلب به دوستان
دريافت فايل مطلب

آدرس ايميل :
نظر شما :
نمايش آدرس ايميل